Follow me on Twitter

الأحد، 5 مايو 2013

وكأن المحبة فرض كفاية

خلوني مع نفسي ... شوقي زاد حنية، من اللهفة لعيناهم
وأراجع ذكريات أمسي، وماضي ما حصل ليا، بعد أن عز لقياهم
من الود قلبي يسقاهم...
عساهم يذكروا ودي عساهم، في الروحات والجاية، معاهم صادق النية

نشرت هذه الأغنية الجميلة على ساوند كلاود، وسمعتها مرات ومرات، وفكرت...
لأنها ذكرتني بما لعلني لم أنسه قط، بما تكنه نفسي عن العربية وتراثها.
فأنا أعتقد مخلصا أن العربية خير لغة تعبر عن الحب، وتراثها من هذا التعبير غني بما لا يقاس ولا يقارن. أو لنقل...المحبة. 
أهناك لغة أخرى تشتق من أصل واحد كلمتين كالحب والمحبة، بينهما كل هذه القربى، وكل هذه الفروق الدقيقة ورهافة الظلال؟ 
أهناك لغة أخرى يتغنى أهلها بالحب كما نفعل؟ 
أهناك لغة أخرى تصف الحب الإلهي بوجده اللاعج، المسلّم مع ذلك بحتمية الانفصال، كما عند ابن الفارض؟ أحبك حبين ـ فرقة ابن عربي
أو تصف الحب الإلهي شطحاً وتمرداً على الانفصال كما عند الحلاج؟ 

في الأغنية الأولى، ليس ثمة مجاز، أو بالكاد...فكلمات المحبة في العربية شعرية بذاتها، دون استعارة أو تكنية. 

في لغتنا كثير كثير من الحب. أتراه أكثر مما ينبغي؟ 
ألا نستشعر كلنا في حياتنا العامة، في عيشنا المشترك، افتقادا فادحا للمحبة؟ 
كأننا نحب ـ في اللغة، بل باللغة ـ كي نتخفف من أعباء المحبة. 
وكأن المحبة فرض عين، تؤديه عنا أشعارنا وأغانينا، فلا يبقى بين أيدينا منها بعد ذلك إلا ما يكفي ـ بالكاد ـ لأنفسنا ولـ"عشيرتنا" الأقربين. 

وليس في هذه الفكرة جديد، ولا هي فتح غير مسبوق في الدراسات الثقافية أو علم اجتماع اللغة أو ما شئت من المباحث المستحدثة في علوم الإنسان. قيل عن شيكسبير، مثلا، إنه، بطغيان عبقريته، استنزف الإنجليزية وأجدب قرائحها قرنين من الزمان...لم يجد القوم بعده ما يقال، ببساطة. وهذا مقارنة، مثلا، بالفرنسية، التي ظلت تنتج كبريات الأعمال في كل القوالب قرنا بعد قرن، لأنها خلت من "شيكسبير"ها. 

المحبة إذن عبء، تحمله عنا لغتنا.

عسى أن نحمله، نحن، يوما، عنها.

السبت، 16 فبراير 2013

مجرد ترجمة

من زمان ما جتش هنا...
 حصلت حاجات كتير من ساعة آخر مرة، وبعدين في آخر الصيف اللى فات حصلت الكارثة اللى شقلبت حياتى، واللى لسة مش قادر أتكلم عليها...ويمكن عمرى ما هاقدر. 

المهم إنى عترت على المقالة الجاية دى في مجلة "لندن ريفيو أوف بوكس" ـ العدد الأخير، وآدى اللنك بتاعتها: http://www.lrb.co.uk/v35/n04/ghaith-abdul-ahad/how-to-start-a-battalion-in-five-easy-lessons. وشديتنى جدا، خصوصا إن الكاتب عربي، وصممت أترجمها وانشرها...حسيت إن البعض ممكن يلاقى فيها إجابات لبعض الأسئلة، وأى حد يقراها هيجدها ـ على أقل تقدير ـ "مشوقة". وها هي ترجمتى ـ الحرفية بقدر الإمكان ـ للمقالة. 

كيف تنشئ كتيبة (في خمسة دروس سهلة)
غيث عبد الأحد في تقرير من سوريا

في غرفة المعيشة الضيقة بشقة جار عليها الزمان قريبة من خط الجبهة في حلب، كان اثنان من المتمردين يجلسان أحدهما بإزاء الآخر. كان الجالس على اليسار ممتلئأً عريض المنكبين، بلحية مشذبة تبدو وكأنها مرسومة بقلم رصاص رفيع على عنقه ووجنتيه. كان قميصه وسرواله مكويين بعناية، كما كان يرتدي زيا عسكريا جديدا بشوكه ـ من النوع التركي باهظ الثمن، لا التقليد السوري الرخيص. أما المتمرد الجالس أمامه فكان أصغر سنا، نحيلاً ومتعباً، وكانت يداه متسختين، وسرواله ملطخا بالطين والشحوم.

كانت الشقة فيما مضى ملك امرأة عجوز، وآثار الحياة المنزلية التي انتهى وجودها منذ زمن طويل متناثرة حول الغرفة ومختلطة بممتلكات الشاغلين الجدد. كانت منفضة سجائر من الصدف تجلس بجوار كومة من أجهزة اللاسلكي، وتماثيل صغيرة من الخزف تقف فوق التلفزيون بجوار علبة خراطيش، والبنادق والذخيرة ترقد على الكراسي الخشبية المتداعية، وعلى الحائط تقويم بمناظر طبيعية حالت ألوانها. في غرفة النوم المجاورة كانت الثياب مكومة على السرير بجوار صناديق الذخيرة. كان المتمرد الممتلئ متململا، يتعجل الانتهاء مما جاء ليقوله والرحيل سريعا. أما الآخر فقد بدا كرجل ينتظر اكتمال فصول كارثة.

إلا أنهما، كزوجين يحاولان استكمال إجراءات الطلاق بتحضر، أنفقا وقتا طويلا على المجاملات: فسأل كل منهما الآخر عن قريته، وامتدح شجاعة قومه وعزيمتهم. في الخارج كان مدفع رشاش ينطلق دون هوادة في الشارع، لا يقطعه سوى الهدير المكتوم لمدافع الهاون.

وأخيرا قال الرجل الممتلئ: "سآخذ أبناء عمومتي وأرحل بعيدا عن الجبهة".

فانتحب المتمرد الشاب: "لماذا؟"، وكأن إحدى دانات الهاون قد أصابت رأسه. "هل ارتكبنا أي خطأ؟ ألم نطعمكم كما يجب؟ ألم يحصلوا على حصصهم اليومية؟ إننا نقسم أي ذخيرة تطالها أيدينا بالتساوي: قل لي فيم أخطأنا".

"كلا، كلا، لا خطأ هنالك ـ لكن يبدو أنه لا يوجد عمل هنا".

"لكن هذا موقع دفاعي مهم"، يناشده المتمرد الشاب. "حلب كلها تعتمد على هذا التل. إذا رحلتم ستنكشف اثنتان من نقاط الجبهة. سيتمكنون  من الإحاطة بنا".

"أنا على يقين من تكفلك بالأمر. بارك الله رجالك، إنهم أهل لها".

"أين ستذهبون؟"

"هناك رجل طيب، فاعل خير ـ من بلدتنا لكنه يعيش في الخليج ـ قال إنه مستعد لتمويل كتيبتي الجديدة. ويقول إنه سيدفع لنا ثمن الذخيرة وسيكون من حقنا الاحتفاظ بغنائم القتال كلها. ما علينا سوى تزويده بمقاطع الفيديو".

"لكن لماذا يفعل هذا؟ علام سيحصل في المقابل؟"

"إنه يريد مرضاة الله، ويريد منا مقاطع فيديو لكافة عملياتنا. هذا كل شيء ـ مقاطع فيديو على اليوتيوب فقط".

"حتى يحصل على المزيد من المال".

"هذا شأنه هو".

أنفق الاثنان بعض الوقت على المجاملات، لكن الطلاق كان قد وقع. خرج الرجل الممتلئ. وكان في انتظاره في البرد نصف دستة من الرجال، شبابا، مخلصين، فتية ريفيين معهم أربعة بنادق. كانت سجائرهم تتوهج في العتمة وهم يسيرون خلف ابن عمهم، قائدهم الجديد، بسرواله وقميصه المكويين، الذي وعدهم بطعام أفضل، وذخيرة لا تنفد، والنصر. وهكذا تشكلت كتيبة جديدة، كتيبة أخرى من مئات الكتائب التي تخوض حرب التمرد والثورة على نظام بشار الأسد.

لطالما أقبلنا بشهية طيبة، نحن أهل الشرق الأوسط، على الانقسام. يعزوه البعض إلى الفردية، ويلوم البعض طبيعة تطورنا السياسي أو قبليتنا. بل إن البعض يلوم المناخ. أما نحن فنسميه "التشرذم"، ونمقته: ونعتبره السبب الرئيس في كل خساراتنا وهزائمنا، من الأندلس إلى فلسطين. ومع ذلك فإننا نعشقه ونستدفئ به ونتفوق فيه، وإذا كنا نظهر التقدير لشيء فإننا نظهره للفصيل الذي ينقسم إلى فصائل أصغر. لكن حتى بمقياس الحروب الأهلية السابقة في الشرق الأوسط، يبدو أن السوريين قد بلغوا ذرى جديدة. فالفلسطينيون، رغم كل شيء، كان لديهم في عز مجدهم نحو دستة فصائل أو نحوها، واللبنانيون، باركهم الله، مدعين أن الأيديولوجيا هي التي فرقت بينهم، لم يتجاوزوا الثلاثين فصيلاً قط.

في اسطنبول سألت صحفيا وناشطا سوريا عن سبب تعدد الكتائب هكذا، فضحك وقال، "لأننا سوريون". ثم مضى يحكي لي حكاية سمعتها مرات عديدة من قبل. "حين قام الرئيس السوري، زعيم العسكر الحاكمين وقتها، بالتوقيع على اتفاقية الوحدة مع ناصر، التي أسلمت البلد للمصريين فعليا وجردته من لقب الرئيس، ناول الورقة لناصر قائلا: لقد تنازلت عن دوري كرئيس لكنني أعطيك بلدا به 4 مليون رئيس".

طوال عقود ظلت الدكتاتورية السورية تعمل لقولبة الشعب على الخضوع: كل منبر، وكل منفذ إعلامي، وكل كتاب مدرسي، كانت ترسل نفس الرسالة، أن على الشعب أن يخضع للحاكم. في سوريا (كما في العراق ومصر وبقية البلدان، وإن بطرق مختلفة) كان أصحاب السلطة ـ من الرئيس وحتى الشرطي، من أعلى الكوادر الحزبية وحتى أصغر موظفي الحكومة ـ يمارسونها على كل جانب من جوانب حياة الناس. كنت تقضي حياتك في محاولة لتجنب الإذلال ـ ناهيك عن الاحتجاز والتعذيب والاختفاء ـ على يد أصحاب السلطة، بينما تقوم في نفس الوقت بالتذلل إليهم ورشوتهم، ومناشدتهم لإعطائك ما تحتاج إليه: خطا هاتفيا، أو جواز سفر، أو مقعدا في الجامعة لابنك. وهكذا حينما انهارت هذه النظم التسلطية، انفجر شيء ما داخل الناس، حس بالفردية طال قمعه. لماذا أستسلم لسلطتك كقائد بينما أستطيع أن أقود نفسي وأحارب حربي التمردية بنفسي؟ كثير من الكتائب المبثوثة في أنحاء الريف السوري تتكون من رجل واحد على صلة بممول، مع قلة من أبناء عمومته وعشيرته. ويتحول هؤلاء إلى جماعات مقاتلة متجولة، تنتقل من معركة إلى أخرى، مستميتة على التمويل والقتال وما يعقبه من غنائم.

رسميا ـ أو هذا على الأقل ما يود لنا الكثيرون أن نعتقده ـ تعد كافة الكتائب جزءا من الجيش السوري الحر. لكن منذ بداية الانتفاضة في مارس 2011، لم يتمكن الجيش السوري الحر قط من التحول إلى منظمة لها هيكل قيادي مركزي يتيح لها تنسيق الهجمات وتحريك الوحدات على الأرض. حتى وقت قريب كان العقيد رياض الأسعد، القائد الاسمي للجيش السوري الحر، ورفاقه المنشقون عن الجيش السوري، محتجزين في "معسكر الضباط"، وهو معسكر خاص للاجئين في جنوب تركيا ـ لحمايتهم، كما يقول الأتراك. كانت كافة الاجتماعات والمقابلات مع العقيد المنشق تمر عبر المخابرات التركية. وقرب نهاية العام الماضي أعلن الجيش السوري الحر أنه نقل مقر قيادته إلى الجانب السوري من الحدود، في محاولة لإثبات أهميته. لكن الكتائب لم تزل تتشكل على يد قادة يعملون ويقاتلون بمبادراتهم الشخصية في أرجاء سوريا، ويسلحون أنفسهم عبر قنوات عديدة ومختلفة تنفرد بها بلداتهم وقراهم. بالنسبة لهؤلاء لا يزيد العقيد عن "رأس متكلم" وألعوبة في أيدي الأتراك، ولا يزيد الجيش السوري الحر عن عنوان. ثم نشأت مشكلة أخرى حين بدأ ضباط برتب أعلى ينشقون عن الجيش. من الذي يقود الجيش السوري الحر؟ الضباط الذين انشقوا أولا؟ أم الرجال الأعلى رتبة؟ وبدأت تظهر منظمات موازية من الضباط المنشقين، لكن قلة منها كان لها نفوذ حقيقي حيث يكون للنفوذ قيمة.

فكيف إذن تنشئ كتيبة في سوريا؟ أولا، أنت بحاجة للرجال، شباب من الريف على الأرجح، حيث كان فائض العاطلين على مدار القرون يمثل معينا لا ينضب للجيوش وحركات التمرد. أما السلاح فسيجلبه المهربون، ويفضل أن يكون من العراق أو تركيا. كما ستحتاج إلى شخص يعرف كيفية تشغيل الحاسب المحمول و/أو كاميرا الفيديو، ويجيد رفع مقاطع الفيديو على الإنترنت ـ ضرورة لا غنى عنها لالتماس التمويل من المهجر أو من ممولي الخليج. كما أن القليل من الأيديولوجيا لن يضر، بمسحة من أحد أصناف الإسلام السياسي. وستحتاج أيضا إلى النقود، لكن 3 أو 4 آلاف دولار تكفي لبدء المشروع.

قبل الانتفاضة بكثير كان أبو عبد الله وإخوته قد ربحوا ثروة من نشاطهم في الاستيراد والتصدير والنقل عبر الحدود. كانت شاحناتهم تعبر حدود تركيا وسوريا ولبنان والأردن والعراق وحتى السعودية، فتنقل الخضر التركية إلى العراق وتعود بالوقود، وتأخذ الفواكه السورية عبر الأردن وحتى الحدود السعودية. ولم تكن كل المنتجات التي يتجرون فيها سريعة الفساد، ولا كانت كلها مشروعة؛ فالبنزين السوري المدعم كان يهرّب إلى لبنان وتركيا.

كان هؤلاء الإخوة، ككثيرين من نخبة التجار الأثرياء، مسلمين محافظين، رغم أنهم ليسوا راديكاليين ولا سلفيين. وبفضل ثروتهم وديانتهم، كانت لهم علاقات تمتد عبر الوسط التجاري في الشرق الأوسط كله، شبكة التهريب غير المشروعة الخاصة بالمنطقة، والأهم من هذا، علاقات بكبار الدعاة والعائلات الدينية في الخليج. وحين هبت بلدتهم الأم حمص مبكرا، في انتفاضة تحولت سريعا إلى عصيان مسلح، كان السوريون الأثرياء ـ والمتدينون عادة ـ مثل أبو عبد الله هم الذين يرسلون المال ويديرون الخدمات ويوفرون الطعام والوقود. وما زال دورهم محوريا في أعمال الإغاثة الإنسانية في سوريا.

استغل أبو عبد الله شبكته الواسعة الممتدة عبر الحدود لجلب السلاح والذخيرة أيضا. "كانت لي خمس شاحنات بيك-أب مليئة بالسلاح والذخيرة تأتي من لبنان وعشرة من العراق كل أسبوع. بدأنا ببنادق الصيد ونحن الآن نجلب المدافع المضادة للطائرات. نحن مدد الثورة".

إنه رجل طويل، متين البنيان ويتمتع بثقة الثري المحاط بفلاحين فقراء. ويدير نشاط تمويل الانتفاضة وتسليحها من حجرة صغيرة مبنية بالأسمنت المسلح في أعماق بستان لأشجار الصنوبر والزيتون المتحدرة على سفح جبل بمحافظة إدلب. تأتي الوفود من أنحاء البلاد للجلوس معه على الأرض. بعضهم يطلب السلاح وبعضهم يأتي بالمال. مئات الآلاف من الدولارات تمر عبر الغرفة. وفي الليل يرقد على حصيرة رفيعة على الخرسانة العارية. لقد اتضح أن التحول من الخضر إلى الأسلحة أمر في غاية السهولة، كما قال. لكن مع اشتداد القتال وانتشاره، نشأت الحاجة إلى مزيد من التنظيم ومزيد من المال لدفع المعركة باتجاه نقطة الحسم. وتم وضع خطة عريضة لتنسيق تدفق السلاح.

"بلغنا نقطة في القتال، في ربيع 2012، كنا نحتاج عندها إلى دعم حقيقي. كنا بحاجة إلى مدافع آلية ثقيلة، أسلحة حقيقية. لم تكن النقود عقبة قط: كم تريد. 50 مليون دولار، 100 مليون دولار ـ لا مشكلة. لكن الأسلحة الثقيلة كان العثور عليها صعبا: الأتراك ـ ولولاهم لما بدأت هذه الثورة ـ كانوا يريدون من الأمريكان ضوءا أخضر قبل أن يسمحوا لنا بشحن الأسلحة. كان علينا إقناع سعد الحريري، ابن رفيق الحريري ورئيس الوزراء السابق، بالذهاب للضغط على السعوديين، بأن يقول لهم: "لقد تخليتم عن سنة العراق فخسرتم بلدا لحساب إيران. إذا كررتم نفس الفعلة فلن تخسروا سوريا فقط، بل لبنان معها أيضا". وكانت الفكرة أن السعوديين بدورهم سيضغطون على الأمريكان لإعطاء الأتراك الضوء الأخضر لإدخال أسلحة حقيقية إلى البلاد".

وهكذا فجأة، بينما كانت الثورة على الأرض لم تزل في أيدي جماعات صغيرة من المتمردين والنشطاء، بدأت مجموعة من المصالح الخارجية في التآمر لتوجيه الأحداث بطرق مواتية لها. فكان هناك السعوديون، الذين لم يرق لهم بشار قط لكنهم يخشون مزيدا من الفوضى في الشرق الأوسط. والقطريون الذين يضعون أنفسهم في صدارة ثورات الربيع العربي، باستخدام شبكاتهم التلفزيونية مرهوبة الجانب لحشد التأييد، وثروتهم المهولة لتمويل شحنات الأسلحة غير المشروعة إلى الليبيين. وبالطبع كان هناك الفرنسيون والأمريكان.

"بارك الأمريكان الأمر"، كما قال أبو عبد الله، "وتجمع كافة اللاعبين في غرفة للعمليات. كان بها القطريون والسعوديون والأتراك والحريري". وبحكمتهم اللانهائية قرر اللاعبون وضع الغرفة ـ المعروفة بغرفة التسليح أو غرفة اسطنبول، على اسم المدينة التي تقع فيها ـ أمانة في يد سياسي لبناني باسم عقاب صقر، وهو عضو في حزب الحريري، يراه الجميع مستبدا بالقرار ومثيرا للانقسام. كانت الخطة تقضي بتكوين مجالس عسكرية يقودها ويهيمن عليها منشقون عن الجيش السوري ـ وهذا بغرض ترضية الأمريكان، الذين انتابهم القلق من النفوذ المتصاعد للإسلاميين. وكان المفترض أن تتفق كافة الجماعات المحاربة في النهاية على الائتمار بأمر المجالس العسكرية لأنها مصدر السلاح الرئيسي.

وفي البداية بدت الخطة وكأنها تحقق نجاحا. مع اقتراب الصيف ظهرت مجالس عسكرية في حلب وحمص وإدلب ودير الزور، والتحقت بها بعض الكتائب والفصائل الكبرى. وبدأت أسلحة أفضل ـ وإن لم تكن مضادات الدبابات والطائرات المتطورة التي طلبها المتمردون ـ تدخل سوريا من تركيا. حتى تلك النقطة كانت معظم الأسلحة المهربة من تركيا تأتي في شحنات صغيرة على ظهور الخيل أو محمولة بأيدي الوسطاء أو المحاربين أنفسهم، لكن تلك الشحنات الجديدة كانت هائلة الحجم، محمولة على شاحنات. وظل العراق أكبر مورد منفرد، كميراث لثلاثة عقود من الحرب، لكن أكثر الذخيرة العراقية كانت رديئة النوعية، بسبب دفنها في الرمال طوال أعوام. وهكذا تم استقبال الشحنات الجديدة بلهفة.

في مدينة دير الزور في مطلع الصيف، جلست مع ضابط التسليح الرئيسي للمجلس العسكري، الذي كان قد حول غرفة نومه إلى ترسانة. فشاهدته وهو يفتح حقائب السفر ويوزع مدافع الآر بي جيه على مقاتليه، بصواريخ جديدة تماما في أغلفتها البلاستيكية، مع بنادق نمساوية (فائضة أو مجددة) وقنابل يدوية سويسرية وبنادق قناصة أسترالية ـ والقائمة طويلة.

إلا أن الخطة، بعد أسابيع قليلة، بدأت تتهاوى. في دير الزور اتهم أحد المنشقين عن الجيش المجلس العسكري بأنه تحت هيمنة قبيلة وقرية واحدة. فأقام مجلسا منافسا. وفي إدلب وحمص كانت النظرة السائدة للمجلس هي أنه مفرط الضعف، مع تنامي نفوذ الكتائب المنافسة. كما اتهمت غرفة اسطنبول بالمحاباة. بحلول منتصف يوليو لم يبد أن ثمة مجلسا يعمل إلا في حلب، وكان المتمردون يزحفون على المدينة.

بعد أسبوعين من القتال سيطر المتمردون على أجزاء كبيرة من حلب، لكنهم سرعان ما تعرضوا لانتكاسة خطيرة في منطقة صلاح الدين. توقف مرور شحنات الأسلحة في سبتمبر. عند مروري من هناك كانت المناوشات لم تزل دائرة على عشرات الجبهات التي تقطع المدنية، والقصف والغارات الجوية تدك البنايات السكنية الخرسانية بلا رحمة. كان الجو حارا وخانقا، بنسمات متفرقة تحمل رائحة الموت والقمامة المتحللة، وتهز الستائر في النوافذ المحطمة.

قبيل الغسق عادت طائرة كانت تحوم في الجو طوال ساعات، ولم تبتعد إلا لوهلة قصيرة بعد أن أهدر المتمردون ذخيرتهم الثمينة عليها، عادت بعزيمة متجددة. ومع كل دورة كان المتمردون يهرعون للاحتماء بسواتر وهمية: دغلة، شجرة، منزل ـ لا شيء من هذا يمكن أن يمنع قنبلة، لكنه يعطي على الأقل شعورا بالحماية. كانت الطائرة تحوم ثم تنقض وتطلق قذيفة سوداء، ثم تحلق من جديد في منحنى رشيق وكأنها راقصة. وتختفي القذيفة خلف أحد المباني. في البداية سحابة ـ بنية وسوداء ورمادية ـ ثم انفجار راعد. وتمر الطائرة فوق الرؤوس ثم تبتعد.

كان هناك ضابطان من أعضاء مجلس حلب العسكري يؤمنان الجبهة. النقيب حسام ـ واسمه الحركي أبو محمد ـ كان مستديرا وطويلا ودائم الضحك. وكان يقود سيارة قديمة محملة بالذخيرة، لتنسيق الهجمات وإمداد المقاتلين بطول أحد قطاعات الشارع. أما صديقه مصباح، أو أبو حسين، فكان قصيرا ومتوترا. كان يهرع من مناوشة إلى أخرى، ويقود الرجال عبر أنفاق محفورة تحت العمارات السكنية، منتقلا عبر غرف النوم والمطابخ، لاختيار مواقع خلف ستائر الدانتيللا لقنص جنود الحكومة.

قال حسام: "قبل دخول حلب وعدونا بالذخيرة. قالوا لنا أن نبدأ القتال هنا وسوف يمدوننا بالدعم. حسنا، لقد حصلنا على بعضه". كان النقيب، مثل صيدلي ريفي يوزع أقراصه الثمينة في أغلفة فردية، ينفذ مهام وظيفته الشاقة بحرص وانتباه دقيق. وكان احتياطيه من الذخيرة، الذي يجب أن يخدم الجبهة كلها، قد تضاءل إلى ألف طلقة كلاشنيكوف و6 صواريخ آر بي جيه، والمقاتلون يحاصرونه: فهم بحاجة للذخيرة وهو لا يملك منها شيئا.

كان قد حضر مؤخرا اجتماعا مع بقية قادة حلب، وكانت الصدوع بين المجالس العسكرية والكتائب قد بدأت تتسع. فقال: "هاجم الإسلاميون المجالس في الاجتماع، فهم مغتاظون من سيطرة الضباط على الذخيرة الجديدة. يظنون أننا نريد إنشاء حكم عسكري، ويعتبروننا كفاراً لأننا أيدنا النظام ذات مرة".

وقال صديقه مصباح: " هذه أمة علمانية، وهم يريدون إعادتنا إلى أيام الخلافة".

بعد أسبوع قُتل مصباح، وتبخر ما أمكنه الحصول عليه من ذخائر، وزادت شكاوى الرجال أكثر من أي وقت سبق، فقرر حسام الرحيل شمالا للبحث عن قادة مجلس حلب العسكري كي يسألهم عن الذخيرة الموعودة. قاد حسام سيارته لعدة ساعات وسط حقول الهيش والقرى، مقتربا من الحدود التركية، فوصل إلى فيللا فاخرة بجدران بيضاء وحمام سباحة كبير واقتيد إلى الداخل. كانت الأرضيات الرخامية باردة ونظيفة. والثلاجة محملة باللحوم والفاكهة بل وكعكة آيس كريم. كان بضعة صحفيين، فرنسيون وعرب، يتسكعون في البهو الرخامي ويستخدمون الإنترنت اللاسلكي. ربما كان الحر، والموت، وأسابيع القتال على الجبهة، أو ربما كانت هجمة السكر من كعكة الآيس كريم، لكن حسام فقد أعصابه وبدأ يصيح.

"يجب أن تأتوا وتشاهدوا ما يحدث. نحن نموت هناك".

وصل رئيس المجلس، عقيد سابق بزي الجبهة وسترة واقية من حرب فييتنام، ومعه مساعده ومحاسبه، وهو مدرس سابق باسم علي ديبو، يشغل الآن منصب أمين ماليات الترسانة. وتم أخذ حسام على جنب، ووعده بالذخيرة من جديد، وإعادته إلى حلب.

أقلني علي ديبو بسيارته الفاخرة إلى فيللا كبيرة أخرى في قرية قريبة. كانت شاحنة مرسيدس قديمة تقف بالخارج، مغطاة بالمشمع، والمقاتلين يتحلقون تحت شجرة برتقال. وكان هناك اثنان من القادة ينتظران مقابلة علي، الذي لم يعد الآن التابع الوديع الذي كانه في حضرة رئيس المجلس، بل اتخذ سمت القائد الأعلى للمؤمنين، فاستجوب أحد الرجلين: "لماذا تحتاجون إلى كل هذه الذخيرة؟" لكنه وقع الأوراق الضرورية وبدأ الرجال تحت شجرة البرتقال يفرغون صناديق الذخيرة من الشاحنة على شاحنة بيك-أب منتظرة. كانت الشاحنة الكبيرة ترسانة المجلس المتنقلة، وبها 450 ألف دفعة من الرصاص ومئات من صواريخ الآر بي جيه.

والتفت علي ديبو إلى ملتمس آخر. "لا أريد منك سوى مقطع فيديو قصير يمكن نشره على يوتيوب، يذكر اسمك ووحدتك وانتماءك إلى مجلس حلب العسكري. وبعدها يمكنك أن تفعل ما يحلو لك. أريد أن أثبت للأمريكان أن هناك وحدات تنضم إلى المجلس. لقد قابلت أمريكيين بالأمس وقالا لي إننا لن نحصل على أسلحة متطورة حتى نثبت اتحادنا تحت قيادة ضباط المجالس العسكرية. صور الفيديو فقط، ودع الباقي لي".

بعد أشهر زرت حسام. كان قد اكتشف أن المدرس السابق كان يدير نشاطا لحسابه الخاص، فيختلس الأسلحة المخصصة للقوات على الجبهة ويشتغلها لبناء قاعدة خاصة به من الموالين. وكانت مسامير معدنية تبرز من ساقيه: بعد عودته إلى حلب بوقت قصير انقلبت سيارته وهو يحاول الفرار من قصف جوي، فقتل أحد أقرب أصدقائه ـ بل إن معظم أصدقائه الآن كانوا إما موتى أو مصابين بجروح جسيمة. "كان علي ديبو يشيد إقطاعيته الخاصة، ويستغل الذخيرة المخصصة لحلب للتودد إلى قادة آخرين". وقال إن المجلس العسكري الآن مجرد ميليشيا وسط الكتائب المتناحرة. "المشكلة هي أنهم كلما أقاموا مجلسا للإشراف على المجهود الحربي، تحول المجلس إلى ميليشيا. لا يمكنهم التمييز بين مصالحهم الشخصية ومصالح الأمة".

في نوفمبر الماضي، تحت ضغط الأمريكان، وبوعود بتمويل أكبر وأسلحة أكثر من بلدان الخليج، اجتمعت كافة فصائل المعارضة في الدوحة، وتم إنشاء مجلس جديد يدعى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية. وتحت راية هذا الائتلاف كان يفترض بهيكل قيادة عسكرية جديد أن يضم كافة الجماعات المقاتلة، والقادة داخل البلاد وخارجها. لكن تدفق الأسلحة الموعود لم يتحقق قط: كانت هناك كميات قليلة من الذخائر، ولكن بدون شحنات ذات بال. وظلت الأسلحة القادمة فقط هي تلك القادمة من المهربين العراقيين وأحيانا الأتراك.

كنت أقف مع أبو عبد الله على تل موحل لا يبعد كثيرا عن الحدود التركية. بالقرب منا كان ثمة معسكر مرتجل للاجئين، ومياه المجاري تتسرب بين الخيام، وأطفال يرتعدون أمام شاحنة مياه، حيث كانوا يلعبون بالأواني البراقة التي توزعها إحدى وكالات الإغاثة. وضعها بعضهم على الرؤوس كالخوذات وجلس آخرون فوقها. كان السور الذي يفصلنا عن تركيا قد انهار؛ وعربتا جيب تابعتان للجيش التركي تهدران على الطريق جيئة وذهابا.

أشار أبو عبد الله إلى نقطة عسكرية تركية على الجهة الأخرى من التل. "هنا كنا نتولى تسليم الشحنات: يجلبونها إلى النقطة ونتولى الأمر من هناك، لكننا لا نحصل الآن على أكثر من 10 أو 15 ألف دفعة أسبوعيا. وهذا لا شيء. كان العراق المورد الرئيسي، لكننا لا نستطيع الحصول على شيء ذي بال من هناك أيضاً. أرسلت أشخاصا يستطلعون طوال أسابيع، ولم نجد سوى مدفع مضاد للطائرات".

بعد يأسه من الأتراك وغرفة تسليحهم، تحول أبو عبد الله وأصدقاؤه إلى الليبيين. فليبيا قوة ثورية متحمسة وسوق هائلة للسلاح في وقت واحد. "في العراق نشتري عددا معينا من الطلقات، أما في ليبيا فهم يبيعونها بالوزن، بالطن، وبرخص التراب. لكننا لا نستطيع شحنها بحرا. هناك 13 دولة تتحكم في مياه المتوسط ونحتاج إلى إذن منها جميعا أو من الأمريكان. ولذا ينقل القطريون السلاح بالطائرات إلى الدوحة، ثم يشحنونه من تركيا".

قدنا السيارة بطول الحدود بحثا عن مكان للعبور، لكننا توقفنا بطريق الخطأ أمام البوابة الخطأ. وظهر رجل ملتح بسترة عسكرية يحمل كلاشنيكوف، وأشار لنا كي ندخل بمصباحه اليدوي، ثم ظهر رجل أكبر سنا وأمرنا بالتوقف.

قال أبو عبد الله: "نريد العبور إلى تركيا".

فقال الكهل بعربية ثقيلة اللكنة: "لا يمكنكما هذا، هذه ممتلكات خاصة". كانت هناك خلفه ثلاثة خيام وأقمشة لنصب المزيد. وقال بلهجة مهذبة ولكنها حاسمة: "يجب أن ترحلا على الفور". كان هذا المعسكر، المقام على الحدود التركية مباشرة، مخصصا للجهاديين الأجانب ـ الوحيدين، كما اشتكى أبو عبد الله، الذين يحصلون على المال والمعدات هذه الأيام. كان حكيم المطيري، الداعية السلفي الكويتي، يرسل لهم ملايين الدولارات. قال أبو عبد الله: "واجهته في أحد الاجتماعات قبل أسابيع قليلة، وقلت له إنك تختطف ثورتنا. الجهاديون يشترون السلاح والذخيرة من الوحدات الأخرى. ليست لديهم مشاكل في النقود".

في أواخر يناير قابلت أحد أصدقاء أبو عبد الله؛ كان تاجرا ثريا ذات يوم، لكنه شاهد ثروته تتناقص ونشاطه كله يتوقف. كانت شفتاه ترتعدان غضبا وظل يخبط المائدة بقبضته.

"لماذا يفعل الأمريكان هذا بنا؟ قالوا إنهم لن يرسلوا لنا السلاح حتى نتحد. وهكذا اتحدنا في الدوحة، فما عذرهم الآن؟ يقولون إن الجهاديين هم السبب، لكن الجهاديين هم الذين يتقدمون. أبو عبد الله مدين بـ400 ألف دولار ولم يعد هناك من يرسل له المال. كل شيء يذهب للجهاديين. لقد اشتروا لتوهم معسكرا عسكريا سابقا من كتيبة كانت تحارب في صف الحكومة. ذهبوا إليهم وأعطوهم لا أدري كم مليونا واشتروا المعسكر. ربما يجدر بنا جميعا التحول إلى جهاديين. ربما نحصل عندئذ على المال والدعم".


الخميس، 5 يوليو 2012

الرعاية الصحية فى مصر ـ استعنا عالشقا بالله (5)

الفكرة المركزية فى السلسلة دى هى إن وضع الرعاية الصحية فى مصر سىء جدا صحيح، وبيعانى من نقص فادح فى الإنفاق على قطاعه الحكومى صحيح، لكن  وجهة نظرى المتواضعة هى إن جزء كبير من المشاكل ناتج عن حقيقة معينة تتجاهلها وزارة الصحة بتعمد واستهبال مع سبق الإصرار والترصد: 
مستشفيات وزارة الصحة المسؤولة عن تقديم الرعاية الصحية للأغلبية العظمى من سكان هذا البلد عاجزة عن تقديم رعاية مقبولة بسبب نقص مهارة وتدريب العاملين بها، ليس لعيب فيهم، بل لوجود جهات تحتكر المعرفة والمهارات الطبية لنفسها، حتى لا ينافسها أحد على ما يسمى بـ"السوق" ـ ووزير الصحة شخصيا ينتمى دائما إلى تلك الجهات. 
هذه هى الحقيقة كما أراها ببساطة، وهى لا تتعارض مع حقائق أخرى ولا تلغيها، لكنها فى رأيى تسبقها: 
- مؤسسات وزارة الصحة تعانى من نقص فادح ومخجل فى التمويل ـ حقيقة.
- العاملون فى وزارة الصحة يعملون تحت ضغوط عمومية وشخصية هائلة تدفع معظمهم (شوف الصراحة بقى ـ أقول معظمهم ولا أقول بعضهم) تدفع معظمهم للتهرب من القيام بواجبات أعمالهم على الوجه الصحيح ـ حقيقة.

لكن الحقيقة الأوضح هى أن نقص التدريب والمهارات هو أكبر أسباب نقص الرعاية الصحية، وأن هذا يحدث بتواطؤ يكاد يكون صريحا من وزارة الصحة. فيما يلى مثالان دالان على ما أقول: 

فى أثناء دراستى لدكتوراه أمراض الدم المعملية، سمعت عن مؤتمر مصحوب بورشة عمل للـFLOW CYTOMETRY - hematologists will relate :) كانت  رئيس المؤتمر ومدير الورشة أستاذة سابقة لى فى معهد الأورام اللى كنت نايب زائر فيه، والاشتراك عن طريقها (بفلوس على فكرة، وبفلوس كتير كمان). رحت قابلتها ودار بيننا الحوار التالى:
أنا: ممكن أشترك فى ورشة الفلو؟ 
د. ع. ك.: المكان اللى بتشتغل فيه عندكوا مكنة؟
أنا: لا يا افندم، أنا باشتغل حاليا فى وزارة الصحة. 
د. ع. ك.: يبقى انت كفاية عليك قوى تحضر المؤتمر. الورشة لأ. 

خد بالك إن المؤتمر عبارة عن محاضرات نظرية، لكن ورشة العمل هى المهارات العملية الضرورية للشغل الفعلى. 

أما عن عدم جدية وزارة الصحة نفسها فى الإصلاح فيكفى أقول لك إنها ما زالت حتى يومنا هذا لا تملك شبكة معلومات تغطى كافة منشآتها وتربط بعضها بالبعض، أو على الأقل منشآتها الرئيسية (المستشفيات العامة مثلا) ـ ليس فقط لا تملك، بل لا تفكر فى إنشائها أصلا. وإيه أهمية شبكة المعلومات؟ شوف المثال دة وشوف الموارد اللى بيتم إهدارها حاليا وممكن نوفرها فى وجود الشبكة: 

مريض راح الوحدة الصحية التابع لها محل سكنه وكشف فى عيادة الباطنة، فطلبوا منه تحليل بول وبراز وصورة دم ـ أبسط التحاليل فى العالم. لم يسفر الكشف والتحاليل عن تشخيص محدد فتم تحويل المريض للمستوى الصحى الأعلى ـ المستشفى المركزى لمجموعة القرى التابع ليها محل سكنه ـ وهناك طلبوا منه تحليل بول وبراز وصورة دم ووظائف كبد وكلى ورسم قلب وأشعة على الصدر. لم يسفر الكشف والفحوص عن تشخيص محدد وتم تحويل المريض للمستوى الصحى الأعلى ـ المستشفى العام للمحافظة، وهناك طلبوا منه تحليل بول وبراز وصورة دم ووظائف كبد وكلى ورسم قلب وأشعة على الصدر والبطن والحوض ـ وإنزيمات البنكرياس اللى أخيرا كشفت إصابة المريض بالتهاب البنكرياس، لكن بعد إهدار موارد قد إيه نظرا لعدم وجود شبكة معلومات تخزن كل بيانات المريض التى تنتقل معه من مكان إلى مكان؟ 

فى الحلقات القادمة بإذن الله نبتدى نتكلم عن مداخل الحل ـ استعنا عالشقا بالله. 

الرعاية الصحية في مصر ـ استعنا عالشقا بالله (4)

ازاى؟ ازاى وصلنا للوضع الحالى المزرى دة؟ ازاى وصلنا للتفاوت بين القطاع الحكومى والخاص فى نوعية الخدمة المقدمة وجودتها، والتفاوت فى مستوى تعليم ومهارة العاملين بين القطاعين الحكومى والخاص أولا، وبعدين بين المستويات السبعة المختلفة داخل القطاع الحكومى ثانيا؟ 

فى كلمة واحدة: السوق


هى الكلمة دى...هى المفتاح، هى اللى تقدر لوحدها تفسر كل حاجة، هى اللى بتفسر حتى التفاوت اللى قلت عليه قبل كدة: السوق. ازاى؟ هنشوف...

لحد نقطة معينة فى الستينات، يمكن مش سهل نحط إيدينا عليها بالضبط، لكن هى فى الستينات على كل حال، ما كانش لسة التأثير الخبيث للسوق ابتدا يظهر ويفسد الرعاية الصحية فى مصر (رغم إن بذرته كانت موجودة من البداية ـ زى ما هاشرح برضه).

لحد نقطة معينة فى الستينات كانت وظيفة "طبيب" لوحدها كفاية إنها تضمن لصاحبها مركز مرموق ودخل مرتفع (مرتفع نسبيا، مش بالفحش اللى وصلت له دخول بعض الأطباء حاليا)، مهما كان المكان اللى اتعلم فيه الطبيب واشتغل فيه بعد كدة، لأن عدد طلبة الطب فى الكليات ما كانش كبير للدرجة اللى أفسدت جودة التعليم الطبى فيما بعد، فكانوا كل الطلبة بيحصلوا على تعليم متقارب المستوى والجودة، وفى نفس الوقت كانت مستويات الرعاية الصحية فى الأماكن الحكومية لم تبلغ بعد درجة الانهيار اللى هى عليه الآن، وبالتالى كان معظم المرضى بمختلف حالاتهم وأمراضهم بيلجأوا للمستشفيات الحكومية (مما يضمن تدريب وتعليم الأطباء فيها بشكل مستمر) ـ ولا يذهب إلى القطاع الخاص إلا الميسورين فعلا ـ وهؤلاء فقط يمثلون "السوق" البغيض الكريه الذى يتنافس عليه الجميع الآن لدرجة التقاتل بالناب والمخلب. بس لسة الفكرة محتاجة مزيد من التوضيح: 

الدولة طول عمرها سامحة بتواجد القطاع الخاص فى الرعاية الصحية جنبا إلى جنب القطاع الحكومى، ومش بس جنبا إلى جنب لكن كمان بنفس الأشخاص (يعنى الطبيب يشتغل فى وظيفته الحكومية وفى نفس الوقت من حقه يفتح عيادة خاصة أو يمتلك مستشفى، إلى آخر أشكال المشروعات الطبية الخاصة) وهى دى بذرة الفساد اللى قادتنا إلى وضعنا الحالى.

بعد الستينات ابتدا عدد السكان يزيد بمعدلات متسارعة، ويزيد عدد الطلبة وبالتالى عدد الملتحقين بكليات الطب (اللى فضل عددها ثابت) وتزداد صعوبة تعليمهم وإكسابهم جميعا نفس المهارات بنفس الكفاءة. فى نفس الوقت كان ابتدا الانفتاح الساداتى وظهرت فكرة انسحاب الدولة من حياة الناس وترك كل واحد لشطارته، يدبر حاله بنفسه، وتوقفت تماما عمليات التنمية فى الأقاليم (رغم إنها كانت بتتم ـ إذا تمت ـ على استحياء شديد خلال الستينات). طيب، أقاليم مفيهاش تنمية من أى نوع، والحياة فيها لا تختلف كثيرا عن العصور الوسطى، لكن فيها طلبة، بعضهم يقوده الحظ التعس للتفوق ودخول كلية الطب، وعايزين بعد ما يتخرجوا يعيشوا فى المستوى التنموى (إن لم يكن المعيشى) اللائق بمهنة الطب، يبقى إذن كلهم هينزحوا إلى المدن الكبرى أساسا، وبالذات العاصمة القاهرة (بكل معنى الكلمة) واسكندرية وقلة قليلة من المدن الأخرى...ينزحون سعيا وراء...أيوة، بالضبط، "السوق".

يعنى الطلب على المهارات الطبية زاد، لكن السوق ثابت والعرض ثابت، يبقى إيه الحل؟ فى البداية انخفض مستوى المهارات اللى بيتم تعليمها للطلبة على مستوى البكالوريوس وأصبحت الجامعات بتقدم لطلابها المهارات الطبية العملية على مستوى الدراسات العليا فقط (النواب اللى شغالين فى مستشفيات جامعية ـ واللى وضعوا رجلهم على أول سلم الوظائف الجامعية وهيئة التدريس ـ دول اللى هيبقوا أساتذة). آدى أول خطوة على طريق انهيار المهارات الطبية فى مصر وتقسيمها إلى ٧ مستويات متدرجة. طيب لما المهارات الطبية بيتم تعليمها لنواب المستشفيات الجامعية بشكل أفضل من بقية الطلبة، مش دة حافز للأساتذة إنهم يسعوا بكل الطرق لمنح أبنائهم وظائف النيابة؟ آدى الخطوة التانية: محاباة أبناء الأساتذة. فى نفس الوقت كان بيحصل تقدم كبير كمى وكيفى فى علوم الطب أدى إلى ظهور تخصصات جديدة وتخصصات فرعية من تحتها، لحد ما أصبح الممارس العام يكاد لا ينتمى إلى مهنة الطب أصلا، وبالتالى انفجر الإقبال على الدراسات العليا  بهدف الحصول على شهادات تخصص، بعد ما كانوا أطباء كتير بيمارسوا عملهم بنجاح وكفاءة بشهادة البكالوريوس بس. وتعاملت الجامعات مع الوضع دة بنفس طريقة تعاملها مع طلبة البكالوريوس: تعالوا ادرسوا وخدوا شهادات تخصص (ما دامت وزارة الصحة عايزة تخصصات وبتبعتكوا تدرسوها عندنا) لكن من حيث المهارات الفعلية مش هنقدر نعلمكم كل حاجة، هنعلمكم المهارات الأساسية فقط فى كل تخصص، والباقى كل واحد وشطارته. يعنى انخفض مستوى تعليم المهارات الطبية على مستوى الدراسات العليا أيضا: آدى الخطوة التالتة. فأصبح الوضع كالتالى: المهارات الطبية العملية أصبحت محتكرة فى المستشفيات الجامعية، كأنها مخزون بتصرف منه حسب سياسات موضوعة بمنتهى الدقة للتخديم على الصنم الأكبر: السوق. كلما زادت قدرة الطالب على منافسة أساتذته فى "السوق"، قلت فرصته فى تعلم المهارات الفعلية منهم. ودة اللى بنشوفه بوضوح لما نقارن التخصصات الجراحية والطبية داخل الجامعات وخارجها. 

الجراحة كما يعرف كل مشتغل بالطب هى علم طبعا، لكنها أساسا وبخلاف جانبها العلمى "صنعة"، يحتاج تعلمها على أصولها إلى علاقة بين الأستاذ والطالب تشبه علاقة الأسطى المعلم بالصبى...وهو دة بالضبط سبب قلة الجراحين المهرة فى وزارة الصحة خارج المستشفيات الجامعية، وانعدامهم تماما فى بعض التخصصات. مفيش أستاذ فى الجامعة مستعد يعلم واحد من خارج المؤسسة الجامعية ويديله مهارات يرجع ينافسه بيها فى "السوق" ـ هناك استثناءات طبعا. بل إن الأمر وصل فى بعض التخصصات إن الأساتذة بيحتكروا مهاراتهم حتى وهما بيعلموا أبناء المؤسسة الجامعية نفسهم ـ زملاءهم النواب والمدرسين المساعدين اللى مفروض يبقوا ذات يوم قريب أساتذة زيهم. الأمر وصل ببعض هؤلاء الأساتذة إلى أنهم ميعلموش حد خالص بدعوى إنه وصل لعلمه بمجهوده ومن حقه أن يتمتع بثماره وحده. وطبعا المكان الوحيد لجنى هذه الثمار هو...السوق. 

وبالطريقة دى انعدم إقبال الأطباء من خارج الجامعة على التخصصات الجراحية الصعبة والنادرة (اللى ذكرتها فى التدوينة "٢" من السلسلة دى ـ لأنهم عارفين إن مفيش حد عنده استعداد يعلمهالهم)، ووزارة الصحة نفسها بطلت تطلب نيابات فى هذه التخصصات لأنها عارفة إن مفيش خريجين جدد هيقبلوا عليها، واستقر الوضع الحالى اللى بتكتفى فيه وزارة الصحة بتحويل المرضى المحتاجين إلى هذه التخصصات إلى جهات أخرى خارج الوزارة. أحب أذكر برضه فى هذا السياق تواطؤ الوزارة فى كل خطوة من الخطوات اللى رسخت احتكار المعرفة والمهارات الطبية داخل المستشفيات الجامعية، بما أن وزير الصحة دايما دايما بييجى من داخل نفس المؤسسة الجامعية. 

وكانت المحصلة النهائية لهذا الوضع المزرى إن المريض نفسه (على الأقل المريض اللى عنده حظ من الوعى والتعليم) بقى عارف الوضع دة: عارف إن مستوى المهارات فى الجامعة أعلى بكتير منه خارجها، فبقى بيدور على "الأستاذ"...فى العيادة أو المستشفى الخاص طبعا، وبالتالى لم يعد يتردد على مستشفيات وزارة الصحة سوى المرضى الغلابة فعلا، قليلى الحظ من الوعى والثقافة، وبالتالى ازداد إهمال هذه النوعية من المستشفيات أكتر واكتر، ما دام المريض غلبان، والطبيب اللى بيعمل فيها كمان غلبان (فى قاع سلم المستويات، كما ذكرت سابقا) وتضاءلت فرص التدريب والتعرف على حالات جديدة، وبذا اكتملت الدائرة الخبيثة.

الرعاية الصحية فى مصر ـ استعنا عالشقا بالله (3)

مستويات القطاع الحكومى للرعاية الصحية فى مصر وطبيعة العلاقات فيما بينها: 

أولا: منشآت تابعة لوزارة التعليم العالى والبحث العلمى:
1- المستشفيات الجامعية: مستشفيات ملحقة بكليات الطب، التى تمنح درجات البكالوريوس والدبلومة والماجستير والدكتوراه ـ أعلى مستويات الرعاية الصحية من حيث التدريب والمهارات، لأن العاملين فيها يتمتعون بأعلى فرص التدريب بفضل غزارة وتنوع الحالات المترددة عليها ووجود الأساتذة المسؤولين عن التعليم الطبى (مع تحفظات على كفاءة الأساتذة وإخلاصهم فى أداء مهمة التعليم هذه سنأتى عليها فى حينها). لكن المستشفيات الجامعية إداريا لا تتبع وزارة الصحة ولا تتبع أى جهة مسؤولة عن الصحة فى مصر، بل تتبع وزارة التعليم العالى. مثال: مستشفى المنيل الجامعى التابع لكلية طب جامعة القاهرة للعلاج "المجانى"، ومستشفى قصر العينى التعليمى الجديد "الفرنساوى" للعلاج بأجر.
2- مستشفيات متخصصة تعمل كمعاهد عليا، لا تمنح درجة البكالوريوس ولا الماجستير لكن تمنح درجة الدكتوراه فى تخصصها ـ برضه أعلى مستويات الرعاية الصحية من حيث التدريب والمهارات ولنفس الأسباب. مثال (هو فى الواقع الوحيد من نوعه): معهد الأورام.
3- منشآت تابعة لوزارة التعليم العالى والبحث العلمى، لا تمنح أى درجات علمية وليس لها هدف سوى تجميع المتخصصين فى تخصص معين لتنشيط "البحث العلمى" فى هذا التخصص ـ على الأقل اسميا ـ مستوى التدريب والمهارات مرتفع هنا برضه. مثال: معهد الرمد اللى فى أول البحر الأعظم دة

ثانيا، منشآت تابعة لوزارة الصحة رغم اختلاف هياكل التبعية الإدارية: 
4- مستشفيات تابعة للهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، التابعة بدورها لوزارة الصحة ـ مستوى التدريب والمهارات معقول، لكنه يظل أقل من المتاح فى المستشفيات الجامعية. الغرض من هذه الهيئة ومستشفياتها هو رفع مستوى التدريب والمهارة فى وزارة الصحة ككل، بما إن كل العاملين فيها من الاستشاريين الحاصلين على مؤهلات عليا (دكتوراه وما يعادلها) ومهتهم هى تعليم وتدريب صغار الأطباء (النواب). لكن عشان ترفع مهارات النواب فى وزارة الصحة "ككل" يبقى لازم تدرب "كل" نواب وزارة الصحة فى هذه المنشآت التعليمية، فهل يحدث هذا؟ لأ طبعا، أولا لأن وزارة الصحة فيها أزمة نواب طاحنة أصلا، ومعظم الأخصائيين بل الاستشاريين فيها بيقوموا بعمل النواب، وثانيا لأن عدد المنشآت التعليمية لا يكفى لتدريب كل العاملين بوزارة الصحة، وثالثا لأن بعض المزايا المادية التى يحصل عليها العاملون بالهيئة (العادة الكريهة بتاعة الحكومة المصرية ـ التفرقة بين الناس الذين يقومون بنفس الأعمال بالضبط فى الأجور والمزايا) جعلتهم يغلقونها على أنفسهم، باختصار ومن غير تفصيل. أمثلة: مستشفى أحمد ماهر، مستشفى الساحل، معهد القلب. 
5- مستشفيات تابعة للمؤسسة العلاجية ـ إيه بقى المؤسسة العلاجية دى؟ لغز من ألغاز الحكومة المصرية مش قادر ألاقى له حل مهما عصرت مخى...المؤسسة العلاجية تابعة إداريا لوزارة الصحة المصرية، ابتدت بمستشفى واحد هو معهد ناصر، وبعدين فضلت تتوسع لحد ما وصلت لشكلها الحالى، هيئة مستقلة زى هيئة المستشفيات التعليمية كدة، لكن كل الأطباء اللى بيشتغلوا فيها جايين عن طريق التعاقد من جهات أخرى ـ الاستشاريين من الجامعات غالبا، والنواب من أى مكان، والقلة القليلة من النواب بيبقوا نواب معينين مباشرة من وزارة الصحة (وليسوا متعاقدين) فى الحالات النادرة جدا اللى المؤسسة العلاجية بتطلب فيها نواب، وعلى شرط إنهم لن يبقوا فى المؤسسة ومستشفياتها بعد انتهاء فترة النيابة. طب إيه؟ يعنى الحكومة المصرية أنشأت مؤسسة كاملة عشان يشتغل فيها ناس غير متفرغين (وهى عارفة إنهم غير متفرغين) وعندهم شغل فى جهات أخرى حكومية وخاصة (يعنى نفس الطبيب الاستشارى المتعاقد مع المؤسسة العلاجية بيكون عنده وظيفة فى مكان حكومى آخر [غالبا إحدى الجامعات] ووظيفة تانية فى مكان خاص [عيادته أو مستشفاه الخاص] ومع ذلك عرضت عليه الحكومة المصرية وظيفة تالتة وهى عارفة إنه مستحيل يتفرغ ليها) إيه الهدف؟ والمصحف ما اعرف. هل فيه مجال للحديث عن مستوى التدريب والمهارات فى مكان يتسم هيكله الإدارى بهذا الغموض والعشوائية أصلا؟ أمثلة: معهد ناصر، مستشفى الهرم، مستشفى الهلال. 
6- مستشفيات تابعة للهيئة العامة للتأمين الصحى، التابعة بدورها لوزارة الصحة ـ واللى المفروض مسؤولة عن الرعاية الصحية لعموم الموظفين بأجر فى القطر المصرى وخصوصا موظفى الحكومة، حيث إنه بيتم استقطاع نسبة من أجورهم شهريا لصالح هيئة التأمين الصحى عشان الهيئة تعالجهم بالمجان فى أى مستشفى من مستشفياتها ـ وهنا بقى يبتدى العك. التأمين الصحى زيه زى بقية هيئات وزارة الصحة أصبح يعتمد على نظام التعاقد لتشغيل العيادات والمستشفيات التابعة ليه ـ وفى أحيان كتير بيكون المتعاقد عنده وظيفة أصلية فى قطاع تانى من قطاعات وزارة الصحة نفسها ـ آه والله! مفيش فرصة تدريب أو رفع مهارات أو كفاءة من أى نوع لأن عدد المترددين الرهيب بيمثل ضغط يصل لمرتبة الإجرام على موارد الهيئة وعلى أعصاب وقدرات وكفاءة العاملين فيها ـ انت هنا بتتعامل مع موظفى الحكومة المصرية كلهم (أيوة، الخمسة مليون كلهم) فضلا عن طلبة المدارس  وأرباب المعاشات وفئات أخرى أيضا ـ وهذا رغم محدودية عدد مستشفيات وعيادات الهيئة. أمثلة: مستشفى 6 أكتوبر بالدقى، مستشفى الجمهورية بعابدين، مستشفى التأمين الصحى بمدينة نصر. 
7- وأخيرا نصل إلى قاع القطاع الحكومى للرعاية الصحية فى مصر، المأساة البشرية اللى التهمت أحلى سنين عمرى وما زالت تنهش ما بقى منها ـ المنشآت التابعة مباشرة لوزارة الصحة المصرية. لعلكم لاحظتم أن المستويات 4 و5 و6 كانت تابعة برضه لوزارة الصحة، لكن من خلال هيئة أو مؤسسة مش تبعية مباشرة، إنما هنا بقى احنا بنواجه وزارة الصحة شخصيا فى تبعية مباشرة وفجة ـ بس هل تكتفى الحكومة المصرية بهذا لتعذيب العاملين فيها؟ لأ طبعا، لإن هذا المستوى من مستويات الرعاية الصحية الحكومية لا يخضع لتبعية وزارة الصحة مباشرة فقط، بل أيضا للحكم المحلى من خلال المحافظة التى تقع فيها المنشأة الصحية المعنية. يعنى تبعية مزدوجة. يعنى أنا مثلا فى المستشفى الذى أعمل به أتبع وزير الصحة ثم وكيل الوزارة لشؤون التخصص بتاعى (المعامل) ثم مدير إدارة المعامل بالجيزة ثم مدير المستشفى ثم العبد لله، لكن برضه بحكم الموقع الجغرافى أتبع محافظ الجيزة، ثم وكيل وزارة الصحة بالجيزة ثم مدير المستشفى ثم العبد لله. تبعية مطلقة وكاملة ليس فيها فضل لواحد من الهيكلين الإداريين على الآخر ـ الوزير يقدر ينقلنى أو يرفدنى أو يجازينى, والمحافظ برضه يقدر ينقلنى أو يرفدنى أو يجازينى...فعلام أحصل فى المقابل؟ فرص إضافية للتدريب والتعلم والترقى؟ هع. حوافز تفوق أقرانى فى بقية مؤسسات وهيئات وحبشتكانات وزارة الصحة؟ هع (أنا فى الواقع أدنى منهم جميعا ماديا ـ نحن هنا فى القاع). طيب، إمكانيات أكبر من حيث المعدات والتجهيزات لجعل العمل أكثر راحة وسهولة وإرضاء؟ هع (كل اللى بيشتغل فى وزارة الصحة عارف قد إيه الكلام دة مثير للسخرية والحسرة). 

رتبنا مستويات الرعاية الصحية الحكومية من 1 إلى 7، علما بأن فرص التدريب والتعليم الطبى تتضاءل باستمرار أيضا من 1 إلى 7 حتى تكاد تنعدم، بل فعلا تنعدم تماما فى الأخيرة. ازاى تكوّن الترتيب دة وازاى استقر حتى أصبح شبه مقبول، شبه مسلم به من الجميع (العاملين فى الرعاية الصحية والمرضى على السواء)؟ وازاى اعترفت بيه وزارة الصحة نفسها وأصبحت بتتخذ قراراتها على أساس إنه وضع قائم وطبيعى ومش محتاج تغيير ولا مسبب أى مشاكل؟ 

دى أسئلة هاحاول أجاوبها فى الجزء القادم من السلسلة إن شاء الله ـ استعنا عالشقا بالله. 

الرعاية الصحية فى مصر ـ استعنا عالشقا بالله (2)

عاوز أبين فى هذا الجزء من السلسلة إن الخلل الجوهرى فى نظام الرعاية الصحية فى مصر يكمن فى كلمة "التفاوت" ـ أو إذا شئنا المزيد من الدقة "التفاوت غير المشروع". طيب، تفاوت بين إيه وإيه؟ 

التفاوت الرئيسى هو التفاوت بين قطاعين للرعاية الصحية فى مصر، القطاع الحكومى اللى "المفروض" إنه مجانى (لا يطلب من المريض أى مقابل للحصول على الرعاية) وإنه نزيه وعادل وشامل (لا يفرق بين المرضى على الإطلاق)، والقطاع الخاص اللى بيقدم الرعاية مقابل المال. وخلينا فاكرين إن العاملين فى القطاع الحكومى هما هما (فى الأغلبية الساحقة من الحالات) نفس العاملين فى القطاع الخاص، ومطلوب منهم يقدموا نفس الخدمات للناس/ مرة بمقابل إذا قدموها فى مشروعاتهم الخاصة/ ومرة بدون مقابل إذا قدموها فى وظائفهم الحكومية ـ تفتكروا مجهودهم الرئيسى هيروح فين؟ 

ممكن ناس تقوللك: طب وإيه المشكلة؟ ما اللى معاه فلوس يروح ياخد الرعاية من القطاع الخاص، وبالتالى يخفف الضغط على القطاع الحكومى المخصص للى معاهوش فلوس, وبالطريقة دى يكسب الجميع. 

أحب أقول لحضرتك إذا كنت بتردد الكلام الفارغ دة إنك واحد من اتنين: يا إما متعرفش حاجة عن قطاعات الرعاية الصحية فى مصر، وبالذات الحكومية، وعمرك ما اتعاملت معاها، يا إما إنت من المنتفعين بفساد الرعاية الصحية فى مصر وبتردد الكلام دة ذرا للرماد فى العيون للحفاظ على منظومة الفساد (ودة على فكرة نفس الكلام اللى بتردده قيادات وزارة الصحة ـ ومن قبلهم أو على رأسهم لجنة سياسات المأسوف على شبابهم الحزن الوطنى وجمال مبارك) ـ شوف انت بقى!! لو عاوز تردد كلام جمال مبارك وأعوانه فانت حر، بس متجيش تقول لى إن هو دة الصح. 

ليه مش صح؟ لأنه زى ما قلنا من البداية، الخلل الجوهرى فى النظام هو التفاوت بين القطاعات...

فيه تفاوت هائل ورهيب وظالم بين القطاع الخاص (رغم صغر حجمه النسبى) والقطاع الحكومى (رغم ضخامة حجمه النسبية، وانتمائه إلى الدولة المصرية بجلالة قدرها وبكل إمكانياتها)... فيه خدمات يعجز عن تقديمها مستوى كامل من مستويات القطاع الحكومى فى مجال الرعاية الصحية فى مصر ألا وهو المستوى المسمى (ظلما) بوزارة الصحة...

حضرتك تعرف إن وزارة الصحة المصرية كلها على بعضها تعجز عن تقديم الخدمات التالية لمرضاها:

أولا، التخصصات الجراحية:
1- جراحة القلب والصدر
2- جراحة المخ والأعصاب
3- جراحة الأورام
4- جراحة الأوعية الدموية
5- جراحة زرع الأعضاء
6- جراحة الأطفال...وغيرها مما لا أذكره الآن؟ 

ثانيا، التخصصات الباطنية: 
1- أمراض الدم (بما فيها أورام الدم طبعا)
2- أمراض الغدد الصماء (اللهم إلا السكر)
3- أمراض المناعة والمناعة الذاتية
4- خدمات الوراثة والأمراض الوراثية...وغيرها مما لا أذكره الآن؟ 

تعرف حضرتك إن وزارة الصحة كلها على بعضها مفيهاش غير بنك دم واحد يستحق صفة بنك دم، تم تقديمه للوزارة بمنحة سويسرية؟ 

وبالتالى إذا احتجت رعاية (لا قدر الله) فى مجال من المجالات المذكورة فأنت مضطر اضطرارا للبحث خارج القطاع الحكومى المجانى, ولا تملك ترف الاختيار بين الحكومى والخاص. 

نحن إذن نتحدث عن تفاوت أصلى بين الحكومى والخاص فى الرعاية الصحية بمصر، تفاوت سببه أن الأشخاص المطلوب منهم تقديم الرعاية بالمجان هم نفس الأشخاص المسموح لهم بتقديمها بمقابل ـ هذا هو التفاوت الأصلى، الذى أدى إلى تفاوت ثانوى لكنه لا يقل أهمية عن التفاوت الأصلى، بل إنه أصبح يعمل بالتآزر مع التفاوت الأصلى لتوسيعه وتعزيزه وإدامته...التفاوت فى مستويات التدريب والمهارات بين العاملين فى القطاع الحكومى والعاملين فى القطاع الخاص (اللى جايين أصلا ـ لا يجب أن ننسى هذا أبدا ـ من أجزاء معينة من القطاع الحكومى). 

ـ إيه التعقيد دة؟ 
ـ ما أنا قلت إن تدوينة واحدة لن تكفى. هاحاول أفك التعقيدات شوية فى الجزء التالى من السلسلة ـ استعنا عالشقا بالله. 

الرعاية الصحية في مصر ـ استعنا عالشقا بالله (1)

اللى أنا عارفه وحاسس بيه دلوقت إن الموضوع الجديد دة (الرعاية الصحية فى مصر) مش هيكتمل فى تدوينة واحدة، لكن هيحتاج سلسلة متكاملة لاستيعاب الأفكار الكتير اللى عمالة تتنطط فى راسى. ودة اللى بيخلى البداية صعبة ـ كثرة الأفكار وتزاحمها وصعوبة تحديد نقاط الالتقاء والارتباط بينها. 
لكن البداية ضرورية، أى بداية، لا بد من بداية، لأن الوضع بلغ درجة من السوء بتخلى السكوت مستحيل، وخصوصا مع خبر تحرير أسعار الدواء الأخير دة

طب إيه بقى؟ للوهلة الأولى، قد يعتقد الناظر العابر أن مصر مفيهاش "نظام" للرعاية الصحية ـ مجرد فوضى لا يحكمها قانون، يضيع فيها الفقير تحت الرجلين، ويعانى فيها المستور أشد المعاناة للحصول على "مبادئ" رعاية صحية، بينما يريح الأغنياء أنفسهم من هذه الفوضى تماما، ويحصلون على رعايتهم الصحية خارج مصر أصلا. 

لكن الحقيقة إنه فيه نظام ـ نظام ظالم لـ"أغلبية" العاملين فيه و"كل" المتلقين لخدماته، ويتميز بانعدام الكفاءة لدرجة إهدار الملايين على الأرض حرفيا ـ وهدف هذه السلسلة من التدوينات هو كشف هذا النظام وآليات عمله، لمعرفة مكامن الخلل فيه (اللى بتخليه على هذه الدرجة من الظلم وانعدام الكفاءة) ومعرفة المستفيدين منه (لأن أى نظام ظالم وفاسد ومع ذلك قائم ومستمر لازم تكون فيه ناس مستفيدة منه، ويهمها تحافظ على بقائه بنفس ظلمه وفساده). 

إذا عرفنا مكامن الخلل هنقدر نعرف مداخل الإصلاح، وإذا عرفنا هوية المستفيدين، هنقدر نعرف الفئات والجهات اللى بتقاوم الإصلاح وبتحاربه، وبالتالى نحاول نحيدها ونتجاوزها تماما على طريق الإصلاح، أو نحاربها مباشرة ووجها لوجه، حسب الاختيار السياسى اللى هنختاره للإصلاح ـ وأضع ألف خط تحت هذا النعت "السياسى". 

أيوة، إصلاح الرعاية الصحية فى مصر، وحسب وجهة النظر اللى هاحاول أعرضها فى هذه السلسلة من التدوينات، هو فى المقام الأول مشروع سياسى، يتطلب قرارا سياسيا موحدا من سلطات الدولة كلها وسياسة متناغمة بها درجة عالية من التنسيق. 

أيوة، خليك عارف إن أى واحد هيحاول يقنعك إن مشاكل الرعاية الصحية فى مصر هى أساسا مشاكل فنية أو إدارية يمكن حلها من داخل الجهة الفنية والإدارية المسؤولة عن الصحة فى مصر وحدها (يعنى وزارة الصحة) ـ خليك عارف إن أى شخص هيحاول يقنعك بالفكرة دى هو شخص عايز يضحك عليك، ومش عايز يحل ولا يصلح، وهو غالبا من المنتفعين بفساد نظام الرعاية الصحية فى مصر.

كانت هذه مقدمة السلسلة، وإلى التدوينة التالية ـ استعنا عالشقا بالله.