Follow me on Twitter

الخميس، 5 يوليو 2012

الرعاية الصحية في مصر ـ استعنا عالشقا بالله (4)

ازاى؟ ازاى وصلنا للوضع الحالى المزرى دة؟ ازاى وصلنا للتفاوت بين القطاع الحكومى والخاص فى نوعية الخدمة المقدمة وجودتها، والتفاوت فى مستوى تعليم ومهارة العاملين بين القطاعين الحكومى والخاص أولا، وبعدين بين المستويات السبعة المختلفة داخل القطاع الحكومى ثانيا؟ 

فى كلمة واحدة: السوق


هى الكلمة دى...هى المفتاح، هى اللى تقدر لوحدها تفسر كل حاجة، هى اللى بتفسر حتى التفاوت اللى قلت عليه قبل كدة: السوق. ازاى؟ هنشوف...

لحد نقطة معينة فى الستينات، يمكن مش سهل نحط إيدينا عليها بالضبط، لكن هى فى الستينات على كل حال، ما كانش لسة التأثير الخبيث للسوق ابتدا يظهر ويفسد الرعاية الصحية فى مصر (رغم إن بذرته كانت موجودة من البداية ـ زى ما هاشرح برضه).

لحد نقطة معينة فى الستينات كانت وظيفة "طبيب" لوحدها كفاية إنها تضمن لصاحبها مركز مرموق ودخل مرتفع (مرتفع نسبيا، مش بالفحش اللى وصلت له دخول بعض الأطباء حاليا)، مهما كان المكان اللى اتعلم فيه الطبيب واشتغل فيه بعد كدة، لأن عدد طلبة الطب فى الكليات ما كانش كبير للدرجة اللى أفسدت جودة التعليم الطبى فيما بعد، فكانوا كل الطلبة بيحصلوا على تعليم متقارب المستوى والجودة، وفى نفس الوقت كانت مستويات الرعاية الصحية فى الأماكن الحكومية لم تبلغ بعد درجة الانهيار اللى هى عليه الآن، وبالتالى كان معظم المرضى بمختلف حالاتهم وأمراضهم بيلجأوا للمستشفيات الحكومية (مما يضمن تدريب وتعليم الأطباء فيها بشكل مستمر) ـ ولا يذهب إلى القطاع الخاص إلا الميسورين فعلا ـ وهؤلاء فقط يمثلون "السوق" البغيض الكريه الذى يتنافس عليه الجميع الآن لدرجة التقاتل بالناب والمخلب. بس لسة الفكرة محتاجة مزيد من التوضيح: 

الدولة طول عمرها سامحة بتواجد القطاع الخاص فى الرعاية الصحية جنبا إلى جنب القطاع الحكومى، ومش بس جنبا إلى جنب لكن كمان بنفس الأشخاص (يعنى الطبيب يشتغل فى وظيفته الحكومية وفى نفس الوقت من حقه يفتح عيادة خاصة أو يمتلك مستشفى، إلى آخر أشكال المشروعات الطبية الخاصة) وهى دى بذرة الفساد اللى قادتنا إلى وضعنا الحالى.

بعد الستينات ابتدا عدد السكان يزيد بمعدلات متسارعة، ويزيد عدد الطلبة وبالتالى عدد الملتحقين بكليات الطب (اللى فضل عددها ثابت) وتزداد صعوبة تعليمهم وإكسابهم جميعا نفس المهارات بنفس الكفاءة. فى نفس الوقت كان ابتدا الانفتاح الساداتى وظهرت فكرة انسحاب الدولة من حياة الناس وترك كل واحد لشطارته، يدبر حاله بنفسه، وتوقفت تماما عمليات التنمية فى الأقاليم (رغم إنها كانت بتتم ـ إذا تمت ـ على استحياء شديد خلال الستينات). طيب، أقاليم مفيهاش تنمية من أى نوع، والحياة فيها لا تختلف كثيرا عن العصور الوسطى، لكن فيها طلبة، بعضهم يقوده الحظ التعس للتفوق ودخول كلية الطب، وعايزين بعد ما يتخرجوا يعيشوا فى المستوى التنموى (إن لم يكن المعيشى) اللائق بمهنة الطب، يبقى إذن كلهم هينزحوا إلى المدن الكبرى أساسا، وبالذات العاصمة القاهرة (بكل معنى الكلمة) واسكندرية وقلة قليلة من المدن الأخرى...ينزحون سعيا وراء...أيوة، بالضبط، "السوق".

يعنى الطلب على المهارات الطبية زاد، لكن السوق ثابت والعرض ثابت، يبقى إيه الحل؟ فى البداية انخفض مستوى المهارات اللى بيتم تعليمها للطلبة على مستوى البكالوريوس وأصبحت الجامعات بتقدم لطلابها المهارات الطبية العملية على مستوى الدراسات العليا فقط (النواب اللى شغالين فى مستشفيات جامعية ـ واللى وضعوا رجلهم على أول سلم الوظائف الجامعية وهيئة التدريس ـ دول اللى هيبقوا أساتذة). آدى أول خطوة على طريق انهيار المهارات الطبية فى مصر وتقسيمها إلى ٧ مستويات متدرجة. طيب لما المهارات الطبية بيتم تعليمها لنواب المستشفيات الجامعية بشكل أفضل من بقية الطلبة، مش دة حافز للأساتذة إنهم يسعوا بكل الطرق لمنح أبنائهم وظائف النيابة؟ آدى الخطوة التانية: محاباة أبناء الأساتذة. فى نفس الوقت كان بيحصل تقدم كبير كمى وكيفى فى علوم الطب أدى إلى ظهور تخصصات جديدة وتخصصات فرعية من تحتها، لحد ما أصبح الممارس العام يكاد لا ينتمى إلى مهنة الطب أصلا، وبالتالى انفجر الإقبال على الدراسات العليا  بهدف الحصول على شهادات تخصص، بعد ما كانوا أطباء كتير بيمارسوا عملهم بنجاح وكفاءة بشهادة البكالوريوس بس. وتعاملت الجامعات مع الوضع دة بنفس طريقة تعاملها مع طلبة البكالوريوس: تعالوا ادرسوا وخدوا شهادات تخصص (ما دامت وزارة الصحة عايزة تخصصات وبتبعتكوا تدرسوها عندنا) لكن من حيث المهارات الفعلية مش هنقدر نعلمكم كل حاجة، هنعلمكم المهارات الأساسية فقط فى كل تخصص، والباقى كل واحد وشطارته. يعنى انخفض مستوى تعليم المهارات الطبية على مستوى الدراسات العليا أيضا: آدى الخطوة التالتة. فأصبح الوضع كالتالى: المهارات الطبية العملية أصبحت محتكرة فى المستشفيات الجامعية، كأنها مخزون بتصرف منه حسب سياسات موضوعة بمنتهى الدقة للتخديم على الصنم الأكبر: السوق. كلما زادت قدرة الطالب على منافسة أساتذته فى "السوق"، قلت فرصته فى تعلم المهارات الفعلية منهم. ودة اللى بنشوفه بوضوح لما نقارن التخصصات الجراحية والطبية داخل الجامعات وخارجها. 

الجراحة كما يعرف كل مشتغل بالطب هى علم طبعا، لكنها أساسا وبخلاف جانبها العلمى "صنعة"، يحتاج تعلمها على أصولها إلى علاقة بين الأستاذ والطالب تشبه علاقة الأسطى المعلم بالصبى...وهو دة بالضبط سبب قلة الجراحين المهرة فى وزارة الصحة خارج المستشفيات الجامعية، وانعدامهم تماما فى بعض التخصصات. مفيش أستاذ فى الجامعة مستعد يعلم واحد من خارج المؤسسة الجامعية ويديله مهارات يرجع ينافسه بيها فى "السوق" ـ هناك استثناءات طبعا. بل إن الأمر وصل فى بعض التخصصات إن الأساتذة بيحتكروا مهاراتهم حتى وهما بيعلموا أبناء المؤسسة الجامعية نفسهم ـ زملاءهم النواب والمدرسين المساعدين اللى مفروض يبقوا ذات يوم قريب أساتذة زيهم. الأمر وصل ببعض هؤلاء الأساتذة إلى أنهم ميعلموش حد خالص بدعوى إنه وصل لعلمه بمجهوده ومن حقه أن يتمتع بثماره وحده. وطبعا المكان الوحيد لجنى هذه الثمار هو...السوق. 

وبالطريقة دى انعدم إقبال الأطباء من خارج الجامعة على التخصصات الجراحية الصعبة والنادرة (اللى ذكرتها فى التدوينة "٢" من السلسلة دى ـ لأنهم عارفين إن مفيش حد عنده استعداد يعلمهالهم)، ووزارة الصحة نفسها بطلت تطلب نيابات فى هذه التخصصات لأنها عارفة إن مفيش خريجين جدد هيقبلوا عليها، واستقر الوضع الحالى اللى بتكتفى فيه وزارة الصحة بتحويل المرضى المحتاجين إلى هذه التخصصات إلى جهات أخرى خارج الوزارة. أحب أذكر برضه فى هذا السياق تواطؤ الوزارة فى كل خطوة من الخطوات اللى رسخت احتكار المعرفة والمهارات الطبية داخل المستشفيات الجامعية، بما أن وزير الصحة دايما دايما بييجى من داخل نفس المؤسسة الجامعية. 

وكانت المحصلة النهائية لهذا الوضع المزرى إن المريض نفسه (على الأقل المريض اللى عنده حظ من الوعى والتعليم) بقى عارف الوضع دة: عارف إن مستوى المهارات فى الجامعة أعلى بكتير منه خارجها، فبقى بيدور على "الأستاذ"...فى العيادة أو المستشفى الخاص طبعا، وبالتالى لم يعد يتردد على مستشفيات وزارة الصحة سوى المرضى الغلابة فعلا، قليلى الحظ من الوعى والثقافة، وبالتالى ازداد إهمال هذه النوعية من المستشفيات أكتر واكتر، ما دام المريض غلبان، والطبيب اللى بيعمل فيها كمان غلبان (فى قاع سلم المستويات، كما ذكرت سابقا) وتضاءلت فرص التدريب والتعرف على حالات جديدة، وبذا اكتملت الدائرة الخبيثة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق