مستويات القطاع الحكومى للرعاية الصحية فى مصر وطبيعة العلاقات فيما بينها:
أولا: منشآت تابعة لوزارة التعليم العالى والبحث العلمى:
1- المستشفيات الجامعية: مستشفيات ملحقة بكليات الطب، التى تمنح درجات البكالوريوس والدبلومة والماجستير والدكتوراه ـ أعلى مستويات الرعاية الصحية من حيث التدريب والمهارات، لأن العاملين فيها يتمتعون بأعلى فرص التدريب بفضل غزارة وتنوع الحالات المترددة عليها ووجود الأساتذة المسؤولين عن التعليم الطبى (مع تحفظات على كفاءة الأساتذة وإخلاصهم فى أداء مهمة التعليم هذه سنأتى عليها فى حينها). لكن المستشفيات الجامعية إداريا لا تتبع وزارة الصحة ولا تتبع أى جهة مسؤولة عن الصحة فى مصر، بل تتبع وزارة التعليم العالى. مثال: مستشفى المنيل الجامعى التابع لكلية طب جامعة القاهرة للعلاج "المجانى"، ومستشفى قصر العينى التعليمى الجديد "الفرنساوى" للعلاج بأجر.
2- مستشفيات متخصصة تعمل كمعاهد عليا، لا تمنح درجة البكالوريوس ولا الماجستير لكن تمنح درجة الدكتوراه فى تخصصها ـ برضه أعلى مستويات الرعاية الصحية من حيث التدريب والمهارات ولنفس الأسباب. مثال (هو فى الواقع الوحيد من نوعه): معهد الأورام.
3- منشآت تابعة لوزارة التعليم العالى والبحث العلمى، لا تمنح أى درجات علمية وليس لها هدف سوى تجميع المتخصصين فى تخصص معين لتنشيط "البحث العلمى" فى هذا التخصص ـ على الأقل اسميا ـ مستوى التدريب والمهارات مرتفع هنا برضه. مثال: معهد الرمد اللى فى أول البحر الأعظم دة.
ثانيا، منشآت تابعة لوزارة الصحة رغم اختلاف هياكل التبعية الإدارية:
4- مستشفيات تابعة للهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، التابعة بدورها لوزارة الصحة ـ مستوى التدريب والمهارات معقول، لكنه يظل أقل من المتاح فى المستشفيات الجامعية. الغرض من هذه الهيئة ومستشفياتها هو رفع مستوى التدريب والمهارة فى وزارة الصحة ككل، بما إن كل العاملين فيها من الاستشاريين الحاصلين على مؤهلات عليا (دكتوراه وما يعادلها) ومهتهم هى تعليم وتدريب صغار الأطباء (النواب). لكن عشان ترفع مهارات النواب فى وزارة الصحة "ككل" يبقى لازم تدرب "كل" نواب وزارة الصحة فى هذه المنشآت التعليمية، فهل يحدث هذا؟ لأ طبعا، أولا لأن وزارة الصحة فيها أزمة نواب طاحنة أصلا، ومعظم الأخصائيين بل الاستشاريين فيها بيقوموا بعمل النواب، وثانيا لأن عدد المنشآت التعليمية لا يكفى لتدريب كل العاملين بوزارة الصحة، وثالثا لأن بعض المزايا المادية التى يحصل عليها العاملون بالهيئة (العادة الكريهة بتاعة الحكومة المصرية ـ التفرقة بين الناس الذين يقومون بنفس الأعمال بالضبط فى الأجور والمزايا) جعلتهم يغلقونها على أنفسهم، باختصار ومن غير تفصيل. أمثلة: مستشفى أحمد ماهر، مستشفى الساحل، معهد القلب.
5- مستشفيات تابعة للمؤسسة العلاجية ـ إيه بقى المؤسسة العلاجية دى؟ لغز من ألغاز الحكومة المصرية مش قادر ألاقى له حل مهما عصرت مخى...المؤسسة العلاجية تابعة إداريا لوزارة الصحة المصرية، ابتدت بمستشفى واحد هو معهد ناصر، وبعدين فضلت تتوسع لحد ما وصلت لشكلها الحالى، هيئة مستقلة زى هيئة المستشفيات التعليمية كدة، لكن كل الأطباء اللى بيشتغلوا فيها جايين عن طريق التعاقد من جهات أخرى ـ الاستشاريين من الجامعات غالبا، والنواب من أى مكان، والقلة القليلة من النواب بيبقوا نواب معينين مباشرة من وزارة الصحة (وليسوا متعاقدين) فى الحالات النادرة جدا اللى المؤسسة العلاجية بتطلب فيها نواب، وعلى شرط إنهم لن يبقوا فى المؤسسة ومستشفياتها بعد انتهاء فترة النيابة. طب إيه؟ يعنى الحكومة المصرية أنشأت مؤسسة كاملة عشان يشتغل فيها ناس غير متفرغين (وهى عارفة إنهم غير متفرغين) وعندهم شغل فى جهات أخرى حكومية وخاصة (يعنى نفس الطبيب الاستشارى المتعاقد مع المؤسسة العلاجية بيكون عنده وظيفة فى مكان حكومى آخر [غالبا إحدى الجامعات] ووظيفة تانية فى مكان خاص [عيادته أو مستشفاه الخاص] ومع ذلك عرضت عليه الحكومة المصرية وظيفة تالتة وهى عارفة إنه مستحيل يتفرغ ليها) إيه الهدف؟ والمصحف ما اعرف. هل فيه مجال للحديث عن مستوى التدريب والمهارات فى مكان يتسم هيكله الإدارى بهذا الغموض والعشوائية أصلا؟ أمثلة: معهد ناصر، مستشفى الهرم، مستشفى الهلال.
6- مستشفيات تابعة للهيئة العامة للتأمين الصحى، التابعة بدورها لوزارة الصحة ـ واللى المفروض مسؤولة عن الرعاية الصحية لعموم الموظفين بأجر فى القطر المصرى وخصوصا موظفى الحكومة، حيث إنه بيتم استقطاع نسبة من أجورهم شهريا لصالح هيئة التأمين الصحى عشان الهيئة تعالجهم بالمجان فى أى مستشفى من مستشفياتها ـ وهنا بقى يبتدى العك. التأمين الصحى زيه زى بقية هيئات وزارة الصحة أصبح يعتمد على نظام التعاقد لتشغيل العيادات والمستشفيات التابعة ليه ـ وفى أحيان كتير بيكون المتعاقد عنده وظيفة أصلية فى قطاع تانى من قطاعات وزارة الصحة نفسها ـ آه والله! مفيش فرصة تدريب أو رفع مهارات أو كفاءة من أى نوع لأن عدد المترددين الرهيب بيمثل ضغط يصل لمرتبة الإجرام على موارد الهيئة وعلى أعصاب وقدرات وكفاءة العاملين فيها ـ انت هنا بتتعامل مع موظفى الحكومة المصرية كلهم (أيوة، الخمسة مليون كلهم) فضلا عن طلبة المدارس وأرباب المعاشات وفئات أخرى أيضا ـ وهذا رغم محدودية عدد مستشفيات وعيادات الهيئة. أمثلة: مستشفى 6 أكتوبر بالدقى، مستشفى الجمهورية بعابدين، مستشفى التأمين الصحى بمدينة نصر.
7- وأخيرا نصل إلى قاع القطاع الحكومى للرعاية الصحية فى مصر، المأساة البشرية اللى التهمت أحلى سنين عمرى وما زالت تنهش ما بقى منها ـ المنشآت التابعة مباشرة لوزارة الصحة المصرية. لعلكم لاحظتم أن المستويات 4 و5 و6 كانت تابعة برضه لوزارة الصحة، لكن من خلال هيئة أو مؤسسة مش تبعية مباشرة، إنما هنا بقى احنا بنواجه وزارة الصحة شخصيا فى تبعية مباشرة وفجة ـ بس هل تكتفى الحكومة المصرية بهذا لتعذيب العاملين فيها؟ لأ طبعا، لإن هذا المستوى من مستويات الرعاية الصحية الحكومية لا يخضع لتبعية وزارة الصحة مباشرة فقط، بل أيضا للحكم المحلى من خلال المحافظة التى تقع فيها المنشأة الصحية المعنية. يعنى تبعية مزدوجة. يعنى أنا مثلا فى المستشفى الذى أعمل به أتبع وزير الصحة ثم وكيل الوزارة لشؤون التخصص بتاعى (المعامل) ثم مدير إدارة المعامل بالجيزة ثم مدير المستشفى ثم العبد لله، لكن برضه بحكم الموقع الجغرافى أتبع محافظ الجيزة، ثم وكيل وزارة الصحة بالجيزة ثم مدير المستشفى ثم العبد لله. تبعية مطلقة وكاملة ليس فيها فضل لواحد من الهيكلين الإداريين على الآخر ـ الوزير يقدر ينقلنى أو يرفدنى أو يجازينى, والمحافظ برضه يقدر ينقلنى أو يرفدنى أو يجازينى...فعلام أحصل فى المقابل؟ فرص إضافية للتدريب والتعلم والترقى؟ هع. حوافز تفوق أقرانى فى بقية مؤسسات وهيئات وحبشتكانات وزارة الصحة؟ هع (أنا فى الواقع أدنى منهم جميعا ماديا ـ نحن هنا فى القاع). طيب، إمكانيات أكبر من حيث المعدات والتجهيزات لجعل العمل أكثر راحة وسهولة وإرضاء؟ هع (كل اللى بيشتغل فى وزارة الصحة عارف قد إيه الكلام دة مثير للسخرية والحسرة).
رتبنا مستويات الرعاية الصحية الحكومية من 1 إلى 7، علما بأن فرص التدريب والتعليم الطبى تتضاءل باستمرار أيضا من 1 إلى 7 حتى تكاد تنعدم، بل فعلا تنعدم تماما فى الأخيرة. ازاى تكوّن الترتيب دة وازاى استقر حتى أصبح شبه مقبول، شبه مسلم به من الجميع (العاملين فى الرعاية الصحية والمرضى على السواء)؟ وازاى اعترفت بيه وزارة الصحة نفسها وأصبحت بتتخذ قراراتها على أساس إنه وضع قائم وطبيعى ومش محتاج تغيير ولا مسبب أى مشاكل؟
دى أسئلة هاحاول أجاوبها فى الجزء القادم من السلسلة إن شاء الله ـ استعنا عالشقا بالله.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق