Follow me on Twitter

السبت، 5 مارس 2016

واجب عزاء

نزلت أؤدي واجب عزاء، فتهت.
كنت أعرف أن منزل المهندسين القديم على الدائري قد أغلق، لكنني لم أجرب الجديد من قبل. المسافة من آخر الهرم إلى الدرّاسة طويلة، والطرق تموج بسيارات وميكروباصات وعربات نقل ونصف نقل، وسائقين يقودون وكأن كل لحظة على الطريق هي اختبار، شديد الجدية والجهامة، للرجولة: من ينفذ أولا، من يحتل البقعة التي خلت فجأة أمامك مباشرة أولا، من يتملص ويناور وينقض ويهجم ويمر أولا هو الرجل، ومن يتخلف... دعنا نتعفف عن وصفه صراحة. وأنا يجب أن أصل في الموعد، لا يمكن أن أتأخر.
انحدرت مع المنزل الجديد، الذي لا أعرفه، ولم أجربه، متوقعا بسذاجة طفولية أن يقودني إلى ميدان لبنان بعد دقائق.
انتهى المنزل فوجدت شارعا يقطعه بالعرض، ومن ورائه مطلعا آخر يعيدك ـ فيما أتصور ـ إلى الدائري. لا بد وأن ميدان لبنان في نهاية هذا الشارع إذن، إذا مضيت معه إلى اليمين، أو على الأقل في نهاية شارع يتفرع منه. فلنكمل الطريق ـ ليس هناك اختيار آخر على كل حال.
كان الشارع الطويل، الضيق، الذي لا يزيد عرض الجهة الواحدة منه عن خمسة أمتار بأي حال من الأحوال، يمضي في اتجاهين، مفصولين بجزيرة وسطى، ضيقة جدا، لا تكاد تتسع لوقوف شخص واحد عليها بالورب، والمطبات الصناعية تبرز فجأة من الأرض كل عشرين أو ثلاثين مترا، والناس تعبر من أي مكان، كلما عنّ لهم، دون أن يتجشموا عناء النظر، مجرد النظر، لتبين وجود مركبة متحركة، مقبلة أو مدبرة، من عدمه، والتكاتك ليست لها صلة، أدنى صلة، بالاتجاه المقرر للسير، تداهمك كأنما تجسدت من العدم، من جانبك الأيمن أو الأيسر أو من أمامك، في وجهك هكذا، بثقة تامة في أحقيتها المطلقة في المرور، والعمارات عالية، ضيقة الواجهات، متلاصقة، ليس بينها ثغرة واحدة، ولا فرجة تطل منها السماء، بطول الشارع، مبثوثة في صفحات وجوهها شبابيك كثيرة صغيرة، ضيقة، تتراءى من خلفها أضواء صفراء كابية، مرهقة، توحي بحجرات ضيقة، مكتومة، يتحرك فيها أناس كثيرون، تدب فيهم حياة عنيدة، بل مستميتة، يضجرون من زمتة الجدران فينزلون يجلسون على كراسي مرصوصة، كل عشرين أو ثلاثين مترا، بطول الشارع، في ما يبدو أنها مقاه مرتجلة، تنصب على عجل فوق وتحت الجزيرة الوسطى، وترفع على عجل، والمحلات كثيرة ومتراصة ومتتابعة في إلحاح مجهد، تضيئها إضاءة قوية، بيضاء وصفراء، تناقض إضاءة البيوت الوانية الشحيحة، وتراب، تراب، تراب، عالق في الجو طوال الوقت، ومكوم في أكوام، بطول الشارع، إلى جوار أكوام القمامة والبضاعة والتكاتك والعربات والناس.
كان قد بدأ ينتابني حس بأنني أعرف هذا كله، رأيته كله من قبل، هو بعينه النمط الكابوسي المتكرر، الذي حل على القاهرة منذ زمن بعيد ويرفض أن يفلتها، يمسك بها في قبضته الخانقة المنهومة، فينتزع منها، بأسنانه، في كل يوم، قطعة جديدة. رأيته عند أقاربي في عزبة المفتي، في امبابة، وعند صديقي القديم الذي كنت أحب زيارته أيام الكلية في دار السلام، وفي ما حول المعمل الذي استأجرته، لشهور قليلة، ثم أغلقته ونفضت يدي نهائيا من أي مشروع طبي خاص، منذ زمن بعيد، في مصر القديمة، وهو بلا شك نفس النمط الكابوسي، المتكرر، الذي تسهل رؤيته عن كثب في المرج والألج ومنشية ناصر وعين شمس وحواري الجيزة وامتدادات الهرم وفيصل وغيرها وغيرها، الذي لا يفتأ يزحف، بطيئا وحثيثا، تكاد إذا أرهفت السمع أن تسمع فحيح زحفه الوئيد، على هذه المدينة كلها.
تابعت سيري بين جنبات الكابوس المألوف، المنفر الغليظ، وهو مع ذلك مأنوس وحميم، منتظرا أن يظهر في أية لحظة ما ينبيء عن قرب ميدان لبنان. لكنه لم يظهر قط.
بعد دقائق أحسستها طويلة جدا، ومسافة حسبتها في تقديري ثلاثة أو أربعة كيلومترات، اختفى الشارع ذو الاتجاهين، اختفى تماما بدون مقدمات، لا أعرف كيف، ووجدت نفسي فجأة وسط متسع من الأرض غير المستوية، تتراص فيه الميكروباصات الترامكو البيضاء ـ غير شاهقة البياض ـ في صفوف طويلة، واقفة هكذا كأنها حيوانات بليدة كبيرة الحجم، لا تدري ماذا تفعل بجسومها البدينة، وفي وسط الصفوف فرجة واحدة، واحدة بالعدد، تتسع لسيارة واحدة، أن تمر بحرص شديد، ويقظة تامة، صاحية مفتوحة العينين، من قائدها، كيلا يحتك بأي تكتك أو ميكروباص أو عربة نصف نقل، تريد، هي أيضا، أن تمر من الفرجة نفسها.
استجمعت كل ما تبقى من جهد عصبي عندي، وبدأت أدفع عربتي، بحرص البهلوان على حبل مشدود، عبر الفرجة، وعبرتها، لأجد أمامي طابورا من الميكروباصات، يريد أصحابها المرور، في الاتجاه المعاكس، من الفرجة نفسها.
وبغتة، دفعة واحدة، رأيت نفسي من الخارج ـ أكانت تلك هي خبرة الخروج من البدن التي يُحكى عنها؟ رأيت رجلا تجاوز الخمسين، يغلب البياض على السواد في ما بقي من شعره، يجلس خلف مقود عربته، ويخبط مؤخر رأسه، بيأس مزمجر، في مسند الرأس الذي يعلو كرسيه، في أنين مكتوم يكاد يشفي على النشيج، مرة بعد مرة، يخبط مؤخر رأسه، بيأس مزمجر، وخلف نظارته التي لم يعد يرى بدونها، تقريبا، تلمع دموع، حبيسة، لن تسقط أبدا. فقط لأنه ضل الطريق، في مدينة ضارية التوحش، والاستيحاش، تكرهه ويكرهها، مدينة ميتة، مدينة من تراب، لم يعد له فيها غير تراب الموتى، مدينة تنتظر، دون لهفة، ودون كبير اهتمام، أن تكتنس في ترابها تراب موته، هو. فقط لأنه كان يعرف أنه، في النهاية، سيصل، بطريقة ما، إلى الدراسة، يؤدي واجب العزاء، لأناس كان يهمه أمرهم، أناس ستذكره وجوههم بكل الذين ماتوا عنه، هو، وتركوه لتبريح الحنين. فقط لأنه كان يعرف حاجة أولئك الناس، هم أيضا، إلى المواساة، فقد مات لهم ميت، في نهاية الأمر، وعانوا في نفوسهم، ولو بينهم وبين أنفسهم، ولو بدون أن يفصحوا لأحد ـ ولا لأنفسهم ـ تماما عن الأمر، عانوا في صميم نفوسهم حتمية الموت، ووحشته النهائية التي لا رجعة فيها. فقط لأنه كان يعرف أن عينيه، في النهاية، ستجفان، كما يجف كل شيء، وتنقضي هنيهة الألم الكاوي، المبرح، كما ينقضي كل شيء. 

هناك تعليق واحد:

  1. المرور في القاهرة ولدينا ايضا في اسيوط فظيع لابعد الحدود، وما كان ينفع معه فعلا بالنسبة للقاهرة على الاقل الا نقل المؤسسات الحكومية للعاصمة الادارية الجديدة ومحاولة تنسيق شوارع القاهرة هذه الايام، قطعة ادبية بديعة، احسنت يا دكتور، وتقبل مروري..

    ردحذف